Skip to main content

مسؤوليتنا اتجاه المجتمع

التعايش

إنّ الرّوح الإنسانيّة منزّهة عن أيّ انتماء جنسيّ أو عِرقيّ أو قوميّ أو طبقيّ، وهي حقيقة أساسيّة تجعل جميع أشكال التّعصّب مرفوضة من حيث المبدأ، لما لها من أثر مباشر في إعاقة تحقيق الطّاقات الكامنة للأفراد داخل المجتمعات. ويُعدّ الجهل السّبب الجوهريّ للتّعصّب، وهو ما يمكن معالجته عبر منظومات تعليميّة شاملة تُيسّر إتاحة المعرفة لكافّة أفراد الجنس البشريّ، وتكفل عدم احتكارها من قِبل فئات بعينها.

ويُشكّل كلٌّ من العلم والدّين نظامين متكاملين للمعرفة وتطبيقها، فمن خلالهما يتمكّن الإنسان من فهم العالم المحيط به، وبهما تتقدّم الحضارة الإنسانيّة. فالدّين إذا انفصل عن العلم آل إلى الخرافة والتّعصّب، والعلم إذا تجرد من القيم الرّوحانيّة أصبح أداة للماديّة المحضة. وعليه، فإنّ الازدهار الحقيقيّ إنّما يتحقّق عبر اتّساقٍ ديناميكيّ بين المتطلّبات الماديّة والرّوحانيّة للحياة، بما يسمح بترجمة المُثل العليا إلى واقع عمليّ يُسهم في إحداث تحوّل على المستويين الفرديّ والاجتماعيّ، ويُرسي دعائم منظومات اجتماعيّة قائمة على العدل والإنصاف.
ولا يقتصر احترام معتقدات الآخرين على كونه مظهرًا من مظاهر الانفتاح أو سمة من سمات الفرد الواعي والمثقّف فحسب، بل يُعدّ ضرورة أخلاقيّة ومجتمعيّة. فنحن جميعًا نعيش على هذه الأرض، وإن اختلفت معتقداتنا وتنوّعت، فنحن نتشارك حبّ هذا الوطن الذي لا يقبل القسمة. كما نؤمن بأنّ التنوّع جزء أصيل من ثقافتنا الإنسانيّة، وعنصر قوّة يُسهم في إثراء المجتمعات وتعزيز تماسكها.

ولا ريب أنّ الاضطلاع بهذه المهمّة يُعدّ مسعى بالغ الأهميّة والتعقيد، إلّا أنّ المجتمع البهائيّ قد التزم بعمليّة تعلّم طويلة الأمد تقتضيها هذه الرؤية، وهي عمليّة تتجلّى في مشروعٍ جامع يدعو أعدادًا متزايدة من مختلف المنابت والمشارب، ومن شتّى المجموعات البشريّة، إلى المشاركة الفاعلة في بناء مجتمع تسوده الوحدة في ظلّ التنوّع.

ويتميّز مجتمع دولة الكويت بتنوّعه الثقافيّ وتعدّد جنسيّاته، ممّا يوفّر أرضيّة خصبة لتعزيز التّعايش القائم على الاحترام المتبادل. وتقع على عاتق جميع أفراد المجتمع مسؤوليّة تنمية هذا النسيج الاجتماعيّ المتسامح، والعمل على الارتقاء بتفاعلاته وعلاقاته، بما يرسّخ مفهوم التّعايش الحقيقيّ في إطار وحدة الجنس البشريّ. وانطلاقًا من هذا الإطار، تُعقَد الحوارات وتُدار النقاشات ضمن مجموعات متنوّعة، لبحث سُبل تحقيق الوحدة المستندة إلى مبادئ العدل والإنصاف، وتعميق الفهم المشترك لمفهوم التّعايش.

المواطنة

ان المنظور البهائي، تُعدّ الهويّة الإنسانيّة أساس كل أشكال الانتماء، إذ يُنظر إلى البشر باعتبارهم أعضاء في أسرة إنسانيّة واحدة، فإحساس الإنسان بذاته وبمكانه في العالم لا ينفصل عن إدراكه لوحدته مع الآخرين ومسؤوليته المشتركة في الإسهام في تقدّم المجتمع.

لقد أظهرت مسيرة الحضارة الإنسانيّة قدرة البشر على تجاوز الاختلافات العرقيّة والثقافيّة والوطنيّة، وبناء مجتمعات تقوم على التعاون وخدمة الصالح العام. غير أنّ هذه الاختلافات نفسها استُغلّت، في فترات مختلفة من التاريخ، كوسيلة لترسيخ الانقسام وتحقيق مصالح ضيّقة، ما أدّى إلى نشوء مفاهيم محدودة للهويّة قائمة على العرق أو الجنس أو الجنسيّة، واستخدامها في تصنيف البشر وتفريقهم.
يرى الفكر البهائي أنّ اختزال الإنسان في هذه الانتماءات الضيّقة، أو جعلها محور تعريفه لذاته وللآخرين، كان له أثر بالغ في تعميق مظاهر التعصّب، سواء استُخدمت هذه الهويّات لتبرير التفوّق أو نشأت كردّ فعل على الظلم والاضطهاد. وإنّ الكثير من التحدّيات الاجتماعيّة التي يواجهها العالم اليوم إنّما تعود جذورها إلى هذه الرؤية المجزّأة للهوية الإنسانية.

وفي هذا السياق، تُفهم المواطنة في المنظور البهائي بوصفها تعبيرًا عمليًا عن وحدة الجنس البشري، حيث يُشجَّع الأفراد على المشاركة الفاعلة في حياة مجتمعاتهم، بروح من العدالة، والتكافل، وخدمة الخير العام، مع احترام التنوّع الثقافي والاجتماعي باعتباره مصدر غنى وقوّة، لا سببًا للانقسام. فالمواطنة الحقة لا تقوم على الإقصاء أو الامتياز، بل على الوعي بالمسؤولية المشتركة تجاه تقدّم الإنسان والمجتمع على حدّ سواء.

الهويّة المشتركة

  إنّ الهويّة المشتركة تُشكّل الأساس الحقيقي لوحدة البشريّة، إذ لا تقتصر على تجاوز الاختلافات الناشئة عن الولادة أو التّربية فحسب، بل تُلهم أيضًا العمل المشترك من خلال توحيد النّاس، وتعزيز روح التّعاون، وبناء العلاقات، وتشييد المجتمعات. ومن خلال هذا الإطار وحده، يتمكّن الإنسان من تحقيق هدفه المزدوج: تنمية إمكاناته الفرديّة، والمساهمة الفاعلة في الارتقاء بالمجتمع.

إنّ مبدأ وحدة الجنس البشري يُجسّد حقيقتنا الجوهريّة، ويُعبّر عن إنسانيّتنا الجامعة التي تتجلّى بوضوح في المقتطف الآتي من آثار حضرة بهاءالله

الوحدة في التّنوع

نحن جميعًا كأوراق شجرةٍ واحدة، وزهورِ حديقةٍ واحدة. إنّ ما يميّز نسيج المجتمع في دولة الكويت هو هذا التنوّع الجميل في الألوان، والثقافات، والجنسيات، والأديان. وهو تنوّع لا يُضعف المجتمع، بل يُغنيه ويمنحه قوّته وحيويّته. وما أحوجنا اليوم إلى أن نُسهم جميعًا في تجسيد الوحدة في التنوّع، أن نتعاون، ونساند بعضنا البعض، ونحتفي باختلافاتنا، لنرتقي معًا نحو الامتياز الإنساني.

لاحظوا أزهار الحدائق على الرغم من اختلاف أنواعها وتفاوت ألوانها واختلاف صورها وأشكالها ولكن لأنها تسقى من منبع واحد وتنتعش من هبوب ريح واحدة وتترعرع من حرارة وضياء شمس واحدة فإن هذا التنوع والاختلاف سبب لازدياد جلال وجمال أزهار الحدائق.. أما إذا كانت أزهار ورياحين الحديقة وأثمارها وأوراقها وأغصانها من نوع ولون واحد ومن تركيب وترتيب واحد فلا معنى ولا حلاوة له. فإذا اختلفت لونًا وورقًا وزهرًا وثمرًا، فإن ذلك زينة وروعة للحديقة وتكون في غاية اللطافة والجمال والأناقة. وكذلك الأمر بالنسبة لتفاوت وتنوّع أفكار وأشكال وآراء وطبائع وأخلاق العالم الإنساني فان جاءت في ظل قوّة واحدة ونفوذ واحد فأنّها ستبدو في غاية العظمة والجمال والسّمو والكمال. واليوم لا يستطيع أي شيء في الوجود أن يجمع عقول وأفكار وقلوب وأرواح العالم الإنساني تحت ظلّ شجرة واحدة سوى القوّة الكلّية لكلمة الله المحيطة بحقائق الأشياء

حضرة بهاءالله
© ٢٠٢٦ الجامعة البهائيّة بالكويت